الشرح الممتع على زاد المستقنع (1/ 119)
وبَوْلُهُ في شَقٍّ، ونحوِهِ، ...........
قوله: «وبولُه في شَقٍّ»، يعني: يُكرَهُ بولُه في شَقٍّ.
والشَّقُّ: هو الفتحةُ في الأرض، وهو الجُحر للهوامِّ والدَّواب،
وظاهر كلامهم أنَّه ولو كان الشَّقُ معلوم السَّبب كما لو كانت
الأرض قيعاناً، ويبس هذا القَاع ففي العادة أنه يتشقَّقُ.
قوله: «ونحْوِه»، مثَّلَ بعضهم بفم البَالوعة (3)[1]،
وهي مجتمع الماء غير النَّظيف، وسُمِّيت بهذا الاسم لأنها تبتلع الماءَ.
والكراهة تزول بالحاجة، كأن لم يجدْ إلا هذا المكان المتشقق.
والدَّليل على الكراهة:
1 ـ حديث
قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «نهى أن يُبال في الجُحر»،
قيل لقتادة: فما بال الجُحر؟ قال: يُقال: إِنَّها مساكن الجنّ (4)[2].
وهذا الحديث من العلماء من صَحَّحه، ومنهم من ضَعَّفه، وأقلُّ
أحواله أن يكون حسناً؛ لأنَّ العلماء قَبِلوه، واحتجُّوا به.
2 ـ ومن
التَّعليل: أنه يُخشَى أن يكونَ في هذا الجُحر شيء ساكن فتُفْسِد عليه مسكنه، أو يخرج
وأنت على بولك فيؤذيك، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رَشاش البول.
وقد ذكر المؤرِّخون أنَّ سيِّدَ الخزرج سعدَ بنَ عبادة رضي الله
عنه بَالَ في جُحر بالشَّام، وما إن فرغ من بوله حتى استلقى ميِّتاً، فسمعوا هاتفاً
يهتف في المدينة يقول:
نحنُ قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْ رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادهْ
وَرَمَيْنَاهُ بسَهْمَيْـ ـنِ فلم نُخْطِئ فُؤادَهْ (1)[3]
هكذا ذكر المؤرخون، والله أعلم بصحَّة هذه القِصَّة، ولكن يكفي
ما ذكرنا من الدَّليل والتَّعليل، ومع هذا لو لم يجد إِلا هذا المكان المتشقِّقَ كان
بوله فيه جائزاً.
[2] (4)
رواه أحمد (5/ 82)، وأبو داود، كتاب الطهارة: باب النهي عن البول في الجُحر، رقم
(29)، والنسائي كتاب الطهارة: باب كراهية البول في الجُحر، رقم (1/ 33)، والحاكم
(1/ 186).
وأعلّه ابن التركماني وغيره بما نُقل عن
أحمد بن حنبل أنه لم يثبت سماع لقتادة من عبد الله بن سَرجس.
لكن أثبت سماعه منه عليُّ بن المديني وأبو
زرعة، والمثبت مقدَّم على النافي. بقيَ أن قتادة مدلس ولم يُصرّح بالسماع.
والحديث صحَّحه: الحاكم، وابن خزيمة، وابن
السَّكن، والنووي، والذهبي. والله أعلم.
انظر: «الجوهر النقي» مع سنن البيهقي
(1/ 99)، و «الخلاصة» رقم (344)، و «التلخيص الحبير» رقم (134)، «جامع التَّحصيل» للعلائي
ص (254).
[3] (1)
قم (45)، والطَّبراني (6/رقم 5359)، والحاكم (3/ 253)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»
(20/ 266) عن ابن سيرين.
ورواها الأصمعي حدثنا سلمة بن بلال عن أبي
رجاء.
ورواها عبد الأعلى بن مسهر أيضاً.
وهذه كلها مراسيل، والمرسل إِذا جاء مرسلاً
من وجه آخر؛ مخرجه غير مخرج الأول؛ فإِنه حينئذ يتقوَّى؛ كما هو مذهب المحققين من أهل
العلم.
انظر: «جامع التحصيل» للعلائي ص (40)،
«تاريخ دمشق» لابن عساكر (20/ 266).
_________________________________
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق